• 29 سبتمبر، 2022

رئيس التحرير

ناجي وليم

مستقبل فن المقال المصرى .. بقلم / رامي جلال

حين يتكرر أمر ما لفترة من الزمن ويختفى فهو ظاهرة، ولكن حين يستقر هذا التكرار لفترات مُطوَّلة يصير عادة. مثل منهجية الشك فى أى أخبار متداولة. نعيش أيامًا فيها كل الأخبار الصحيحة قد توصف بالكاذبة، والشائعات جميعها قد تُنعت بالحقائق. لكن الرأى والتحليل هما موضوع مختلف؛ قطاعات واسعة من الناس يحترمون ويقدرون ويمشون وراء أى تحليل مكتوب بعناية حتى لو احتوى على معلومات غير مُدقَّقة أو مغالطات منطقية. البعض يحب ترديد مثل تلك التحليلات ليشعر بالتحقُّق ويحظى باحترام مَن حوله، بينما يسهم دون وعى فى نشر أمور غالبًا تفتقد الموضوعية.

لم تهاجمنا الجهات المعادية من مقاربة الخبر، بل اعتمدت على التحليل المبنى على أخبار ملفقة بنسب متفاوتة، فتنظيم الإخوان الإرهابى عمل خلال أعوام، عبر قنواته الإعلامية، على فبركة أخبار والانطلاق منها إلى تحليلات مسبوكة فى محاولة لإشاعة البلبلة وتأليب الجماهير.

وسائط عرض الأخبار أصبحت كثيرة العدد، ولذلك فليس من القراء مَن ينتظر الأخبار صباحًا، لكن الجميع يريد أن يرى التحليلات المعتبرة، ولذلك انتقلت صحف العالم، بدرجة أو بأخرى، من الخبر إلى الرأى أو من (Making News) إلى (Making Views).

بناء على تلك الأهمية للرأى والتحليل، فما مستقبل مقالات الرأى فى مصر؟. المقال الصحفى هو «تعبير مختصر بالكلمات حول مسألة معينة يتبنى كاتبه وجهة نظر محددة تلميحًا أو تصريحًا». وهناك من الصحف فى مصر مَن يضم مئات الكُتاب، وهذا قد يكون جيدًا، لكن غير العادى هو انتشار مئات المواقع الإلكترونية التى يكتب عبرها آلاف الناس. وهذا إغراق سيؤذى الصناعة نفسها، فهو يمنع المميزين من اللمعان فى ظل أطنان من المقالات المشكوك فى جودتها وجدواها.

استمرار الحال كما هو الآن سيجعل فن المقال يضمحل كما حدث لفن الأغنية، التى عانت إغراقًا شديدًا لعقدين من الزمن قبل أن تنتهى وتظهر لنا المهرجانات الغنائية كتطور طبيعى ورد فعل على محدودية جودة المعروض من الأغانى وعدم تعبيرها عن طبقات وشرائح اجتماعية حقيقية، خصوصًا مع تعدد نوافذ العرض وسهولة الإنتاج الغنائى، وكذلك مع اضمحلال قوى غنائية تقليدية بابتعاد أسماء جماهيرية لامعة عن الساحة، أو نخبوية البعض الآخر وتواجدهم بين أسوار دار الأوبرا والمنتديات الثقافية.

تبعًا لما نراه اليوم، فقد يتطور المقال فى الاتجاه العكسى، فليس كل تطور رقيًّا، وسيتجه الكُتاب الجدد إلى لهجة العامية بديلًا عن الفصحى، وسيتم الخلط بين فن المقال وتقنيات التدوين والتغريد، وسيضيع الحد الفاصل بين الفكرة والهلوسة لنعانى من المقال «المهرجان».

الواقع أن عملية الإغراق وسهولة العرض، رغم ما بها من سلبيات ومخاطر، فإن لها وجهًا مُشرقًا ومهمًا يتمثل فى اكتشاف المواهب وتقديمها، الفكرة فقط أن هذا الإغراق نفسه لابد أن يكون منظمًا ومؤسَّسيًا، بحيث تنتج عنه أقلام لامعة يتم صقلها وتقديمها للمجال العام بما يفيد الدولة المصرية وينعكس لاحقًا على قوتها الناعمة.

تحتاج مصر إلى منصة رأى وتحليل مستدامة لها صفتا الدورية والدولية، يجتمع فيها الأقلام الشابّة صاحبة القدرة والإمكانيات مع «محترفى» الكتابة ممن كادوا يتحولون إلى «محترقى» المهنة بفعل زيادة العرض عن الطلب.

ليست لدينا حتى الآن قناة تليفزيونية إخبارية عالمية تواجه قنوات أخرى منافسة، فربما آن الأوان للتركيز على الرأى المكتوب مع تطويعه لآليات العصر الحديث مثل استحداث أنماط مبتكرة من النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعى (مثال: المقال المسموع واستخدام الفيديوجراف وتلخيص المقالات فى إنفوجراف وغيرها).

حقوق الإنسان فى القلب منها حرية الرأى، وبالتالى يجب أن نبذل الكثير من الجهود لإنقاذ فن المقال، الذى يُعد إحدى الأدوات المهمة وقنوات التواصل الأساسية بين الجماهير وصانع القرار.

 

المقال السابق

لهجة قطرية ! بقلم .. سليمان جودة

المقال التالي

برنارد لويس.. لماذا سنة ٦٩ ؟ .. بقلم / حلمي النمنم

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.